الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
111
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الملائكة يثير تعجب السامع أن يتساءل عن هذه الصفة العجيبة ، فأجيب بهذا الاستئناف بأن مشيئة اللّه تعالى لا تنحصر ولا توقّت . ولكل جنس من أجناس المخلوقات مقوماته وخواصه . فالمراد بالخلق : المخلوقات كلّها ، أي يزيد اللّه في بعضها ما ليس في خلق آخر . فيشمل زيادة قوة بعض الملائكة على بعض ، وكل زيادة في شيء بين المخلوقات من المحاسن والفضائل من حصافة عقل وجمال صورة وشجاعة وذلقة لسان ولياقة كلام . ويجوز أن تكون جملة يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ صفة ثانية للملائكة ، أي أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في خلقهم ما يشاء كأنه قيل : مثنى وثلاث ورباع وأكثر ، فما في بعض الأحاديث من كثرة أجنحة جبريل يبين معنى يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ . وعليه فالمراد بالخلق ما خلق عليه الملائكة من أن لبعضهم أجنحة زائدة على من لبعض آخر . وجملة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لجملة يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ إبراهيم : 10 ] ، فأجيبوا بقول الرسل إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ إبراهيم : 11 ] . [ 2 ] [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 2 ] ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 2 ) هذا من بقية تصدير السورة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ فاطر : 1 ] ، وهو عطف على فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلخ . والتقدير : وفاتح الرحمة للناس وممسكها عنهم فلا يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا على فتح ما أمسكه . و ما شرطية ، أي اسم فيه معنى الشرط . وأصلها اسم موصول ضمّن معنى الشرط . فانقلبت صلته إلى جملة شرطية وانقلبت جملة الخبر جوابا واقترنت بالفاء لذلك ، فأصل ما الشرطية هو الموصولة . ومحل ما الابتداء وجواب الشرط أغنى عن الخبر . و مِنْ رَحْمَةٍ بيان لإبهام ما والرابط محذوف لأنه ضمير منصوب . والفتح : تمثيلية لإعطاء الرحمة إذ هي من النفائس التي تشبه المدخرات المتنافس فيها فكانت حالة إعطاء اللّه الرحمة شبيهة بحالة فتح الخزائن للعطاء ، فأشير إلى هذا التمثيل بفعل الفتح ، وبيانه بقوله : مِنْ رَحْمَةٍ قرينة الاستعارة التمثيلية .